محمد أديب السلاوي :علاقة الثقافة والصحافة وصلت إلى الطلاق | morassilone.com


محمد أديب السلاوي :علاقة الثقافة والصحافة وصلت إلى الطلاق


محمد-أديب-السلاوي

ظل الكاتب والصحافي محمد أديب السلاوي , طيلة ثمانية أشهر من السنة الماضية , راقدا بالمستشفى العسكري بالرباط , وذلك تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس . واليوم قد بدأ كاتبنا يسترجع عافيته , في انتظار موعد جديد لعملية جراحية جديدة , نأمل أن تكون ناجحة بإذن الله , وأن يسترجع الأستاذ والناقد والصحافي والأب والجد محمد أديب السلاوي صحته وعافيته ويعود لأسرته وقلمه وللساحة الثقافية والأدبية … بمزيد من العطاء والكتابة في الأدب والثقافة والحياة .

 إسمح لي في البداية أن أسألك – باعتبارك من بين الأسماء الوازنة في المشهد الإعلامي المغربي – عن رأيك في الوضع الذي يعيشه الإعلام في مغربنا اليوم ؟

يمكن القول إن الوضع الإعلامي في المغرب عرف تطورا كبيرا , فقد صارت لنا نقابة , وقوانين تحمي الجسد الإعلامي في بلدنا, وأصبحنا نتوفر على إعلام مستقل نوعا ما , إعلام سمعي وبصري ومكتوب يتمتع بنوع من الحرية ولو أن هذه الحرية مراقبة ومشروطة ولكن رغم ذلك كله نبقى أفضل بكثير من العديد من الدول القريبة إلينا , فنحن أحسن من الجزائر وتونس وإفريقيا ولكننا نطمح أن نكون أقرب إلى جيراننا في أوروبا , وهذا الأمر يتطلب العمل النضالي المستمر ويتطلب إضافة إلى ذلك حكومات تؤمن بالرسالة الإعلامية .

هل يمكن أن نتحدث عن الصحافة كشريك في التنمية ؟

يمكنني أن أؤكد لك بألف دليل أن الصحافة هي الشريك الفعلي للتنمية , فإذا لم تكن لنا صحافة قوية وإعلام قوي في بنياته وتوجهاته وقوي في أقلامه فلا يمكن لنا أن نحقق تنمية حقيقة .
إن الإشكالية التي يعاني منها الإعلام اليوم , هي قلة الكتاب الإعلاميين , لقد أصبحنا أمام صحافيي الخبر و المتابعة في مقابل غياب و اختفاء الصحافيين الكتاب والمحللين اللذين كانوا يمثلون أعمدة الصحافة بالأمس .

 إذن فنحن هنا نتحدث عن غياب الصحافي المثقف ؟

يمكن أن نقول ذلك ,ولكن هذا لا يعني أن الصحافة اليوم لا يتواجد بها الصحافي المثقف , هذا المثقف موجود, لكنه لا يعمل لأسباب كثيرة وأولها ضعف الحرية … مما يجعل الكثير يبعد من ذاته ومن نفسه عن الكتابة الصحفية التي تقوم على التحليل وعلى القراءة الإعلامية النافذة .

 حدثنا عن تجربتك في جريدة العلم رفقة عبد الجبار السحيمي ومحمد العربي المساري ؟

أولا يجب التأكيد هنا أن جريدة العلم كانت إلى وقت قريب هي المدرسة الحقيقية لتكوين الصحافيين الأقوياء في المغرب , فجريدة العلم عرفت قبل مجيئي إليها أسماء وازنة كبرى اشتغلت بإدارة التحرير , وعندما نتحدث عن جريدة العلم فإننا نتحدث عن “علال الفاسي , عبد المجيد بنجلون , محمد التازي , قاسم الزهيري , عبد القادر الصحراوي , محمد العلمي … والعديد من الأسماء الوازنة التي كانت تكتب في المجال السياسي كما في المجال الثقافي .
وفي الفترة التي عملت فيها إلى جانب محمد العربي المساري والمرحوم عبد الجبار السحيمي , كنا نحن الثلاثة نشكل الجسم الحقيقي النافذ لجريدة العلم وهذا الجسم كما يعلم الجميع استطاع أن يجعل من جريدة العلم أنذاك أقوى الجرائد المغربية في وقتها , فهذه المجموعة كانت مناضلة أكثر منها عاملة …

كنتم تشكلون ظاهرة … ؟

لا نحن لم نكن نشكل ظاهرة ,أنا لا أومن بهذه التجربة كظاهرة , نحن كنا نشكل ثلاثي مؤمن بمهنيته ويناضل من أجل هذه المهنة , ويعمل لتكون ذات وجود وذات عمل جاد في بلادنا وهذا الثلاثي اشترك أيضا في تأسيس النقابة الوطنية للصحافة , وناضل من أجل أن تكون هذه النقابة على قيد الحياة عاملة ومنتجة ولكن هاهو الوقت يكشف لنا أن الزمن الإعلامي بقدر ما يذهب إلى الأمام بقدر ما يرجع إلى الخلف أيضا , فالأسماء التي توجد اليوم في كل الصحف الوطنية مع كامل الأسف لا تشكل تلك القوة التي كانت تنعم بها الصحافة في الماضي ,هذا الحلم يحتاج إلى إيمان ونضال ويحتاج أيضا إلى رؤية مذهبية في العمل الصحفي , لننتظر لربما الأجيال الصاعدة تعطينا هذا النفس الإعلامي الجديد .

أنت شخص متنوع الإهتمامات وتلقب ب”الموسوعي”. من أين تستمد موسوعيتك ؟

– قبل أن أجيبك سأعطيك لمحة عن ماذا يعني المثقف في الموسوعة العربية والدولية (المثقف هو الإنسان الموسوعي) .
فإذا رجعنا إلى الوراء وعرجنا على المثقفين الذين مروا عبر التاريخ سنجد أنهم كانوا موسوعيين , فابن سينا مثلا كان طبيبا وشاعرا وفيلسوفا وكان كاتبا ومؤرخا , هذا ما يسمى بالكاتب الموسوعي .

صفة الكاتب الموسوعي أصبحت قليلة ونادرة في مغرب اليوم , هل هذا بسبب أننا أصبحنا نعيش زمن التخصص ؟

في الحقيقة لم نعد نعرف هل هو زمن التخصص , أو زمن التقلص … خذي أي إسم شئت في الثقافة العربية , المعري مثلا ؟ فالمعري كان شاعرا كبيرا ومع ذلك أيضا كان كاتبا ومؤرخا وطبيبا نفساني يباشر أعمالا كثيرة …
أنا مع التخصص في العلم , لكن في الثقافة لا مجال للتخصص .
أما بالنسبة لموسوعيتي فأنا أخذتها من النقد, أنا ناقد تشكيلي وناقد مسرحي وناقد سينمائي , وعندي كتب في نقد الشعر والقصة والراواية , فمسوعيتي أستمدها من النقد , ولا أدعي الإبداع فأنا لست شاعرا ولو أنني كتبت الشعر في بداية حياتي ولست روائيا ولو أنني كتبت الرواية ولست مؤرخا وإن كنت قد كتبت في التاريخ , ولكنني صاحب مدرسة في النقد ولهذا فالكتاب والنقاد والمؤرخون يجمعون على أن محمد أديب السلاوي كاتب موسوعي.

ماذا لو سألتك عن علاقة الإعلام بالثقافة في صحافتنا المغربية اليوم ؟

قبل ثلاث عقود كانت الصحف الكبرى في المغرب , تصدر ملاحق ثقافية كاملة أسبوعيا وقد كانت هذه الصحف تستقطب كبار الكتاب والأدباء المغاربة, وكنت تفتح ملحقا من الملاحق الثقافية فتجد شعراء, كتاب قصة , كتاب رواية , نقاد … كما تجد متابعات الأطروحات الجامعية المتعلقة بالمجال الثقافي, ونذكر من كتاب هذه الملاحق أسماء عالمة مثل (ربيع مبارك – محمد برادة – عبد الجبار السحيمي – أحمد الطود –نجيب العوفي – خناتة بنونة – أمينة لمريني – محمد شكري – عبد الكريم الطبال – مالكة العاصمي – عبد الكريم غلاب …) هذه الأسماء هي التي أنعشت الملاحق الثقافية في ذلك الوقت كما كان هناك عدد كبير من الكتاب والأدباء والأساتذة الجامعيين اللذين كانوا يواظبون على إذكاء الحماس الثقافي في بلادنا .

والآن يمكنني أن أجيبك على سؤالك لقد وصلت العلاقة بين الثقافة والصحافة إلى الطلاق , انتهى الأمر .

وهذه هي الحقيقة التي جعلت الصحافة تتراجع في مبيعاتها لأن ثمانين في المائة من قراء الصحافة في ذلك الوقت كانوا يشترون الجريدة, من أجل الثقافة وليس من أجل السياسة , فالسياسة كانوا يسمعونها في الإذاعة وفي التلفاز ويرونها على أرض الواقع , فيما كانت الثقافة متلازمة ومتزاوجة مع الصحافة المكتوبة , أما اليوم فقد وصل الأمر إلى حالة طلاق وقطيعة , فالصحافة المرئية والسمعية مع كامل الأسف لا تتعامل مع الثقافة إلا بخوف وبنوع من الحيطة لأن المثقفين يتكلمون كثيرا ويتكلمون بحرية وبعضهم لا يخاف من الكلمة ولا يخاف من القول , فأنا مثلا حين أكون أمام الكاميرا لا أستطيع أن أبلع كلماتي , الكلمة تأتيني وأطلقها مباشرة في وجه الكاميرا .

السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة , كيف يمكننا إعادة العلاقة بين الإعلام والثقافة ؟

الجواب سهل , هو أن يأتي إلى الحكومة وزراء مثقفون وقادرون على معرفة الدور الحقيقي الذي تقوم به الثقافة والإعلام في التنمية الوطنية , لأنه لا يمكن للتنمية الوطنية أن تكون على أرض الواقع خارج شروطها الموضوعية والشروط الموضوعية هي الثقافة والإعلام .